توصّل الخبير الاقتصادي مارتِن فيردينغ (Martin Werding)، عضو «مجلس الحكماء الاقتصاديين» في ألمانيا، إلى أنّ استقبال نحو 200 ألف وافد إضافي سنوياً يمكن أن يخفّض العبء على الموازنة العامة بحوالي 104 مليارات يورو كل عام، أي ما يعادل 2,5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي .
وبحسب حساباته، يحقّق كل مهاجر صافي فائدة يقدَّر بنحو 7100 يورو سنوياً بفضل الضرائب والاشتراكات الاجتماعية التي يدفعها خلال حياته العملية، مقابل النفقات الأوليّة للتعليم والإدماج .
يرصد التقرير فجوة واضحة بين تصوّر الرأي العام والتأثير المالي الفعلي؛ إذ أظهرت استطلاعات سابقة أنّ 78 ٪ من الألمان يعتقدون أنّ الهجرة ترفع أعباء الدولة، بينما تشير نتائج الدراسة الجديدة إلى الصورة المعاكسة، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بالعمالة المؤهّلة.
«التأثير الإجمالي للهجرة على خزينة الدولة إيجابي»، قال فيردينغ موضحاً أنّ «الحسابات السابقة غالباً ما أُسيء فهمها لأنها تغفل أثر الهجرة على النمو الاقتصادي وتوقيت ظهور مكاسبها» .
تركّز الدراسة على بيانات «التقرير السادس لاستدامة المالية العامة» الصادر عن وزارة المالية الاتحادية (Bundesfinanzministerium)، وتحتسب ليس فقط الإنفاق على الوافدين الجدد، بل أيضاً نمو الناتج والزيادة المتوقَّعة في إيرادات الضرائب والتأمينات نتيجة نشاطهم في سوق العمل .
في المقابل، تستحضر الورقة أعمال الخبير بيرند رافِلهويشن (Bernd Raffelhüschen)، الذي قدّر عام 2024 صافي كلفة الهجرة التراكمية بنحو 5,8 تريليون يورو.
آنذاك صرّح رافِلهويشن: «إذا استمررنا كما نحن، فنحن أغبياء كالقصب».
لكن فيردينغ يردّ بأن تلك الحسابات تُبقي التشريعات الحالية ثابتة إلى الأبد ولا تُدرج مساهمة المهاجرين في الناتج المحلي أو اشتراكاتهم على المدى الطويل .
من جهته، لفت ينس زودهكوم (Jens Südekum)، أستاذ الاقتصاد في دوسلدورف (Düsseldorf)، إلى أنّ منهج رافِلهويشن «يُظهر حتى المولود الألماني بخسارة مالية إذا طُبِّقت فرضياته نفسها»، ما يؤكّد دور فرضيات النماذج في تحديد النتائج .
يربط التقرير مكاسب الهجرة بحاجة البلاد إلى سدّ الفجوة الديموغرافية؛ فمع ارتفاع متوسط العمر وانخفاض عدد المواليد، يتراجع حجم قوة العمل التي تموّل صناديق التقاعد والتأمين الصحي. ويرى فيردينغ أنّ تدفّقاً سنوياً يتراوح بين 300 و350 ألف شخص «مرغوب فيه» لتجنّب اتساع هذه الفجوة .
«الهجرة وحدها لن تصلح الميزانية الألمانية، لكنها عنصر حاسم لتخفيف العبء المالي الناتج عن شيخوخة السكان»، يشدّد فيردينغ، محذّراً من أنّ منع تدفّق العمالة الأجنبية «سيعمّق عجز الاستدامة المالية ويكبّد الاقتصاد خسائر إنتاجية».
رغم التفاؤل، يعترف الخبير بأنّ تحقيق المكاسب مشروط بسرعة إدماج الوافدين في سوق العمل؛ إذ تُظهر بيانات «الوكالة الاتحادية للعمل» (Bundesagentur für Arbeit) أنّ نسبة التوظيف لدى اللاجئين تصل بعد ثمانية أعوام في ألمانيا إلى 68 ٪، ما يعني استمرار التكاليف لنحو ثلث هذه الفئة لفترة طويلة نسبياً .
خَلُصَت الدراسة إلى أنّ تعزيز مسارات الهجرة النظامية وتسريع إجراءات الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية يعزّزان العائد المالي، بينما تظلّ التحديات الأوسع، مثل ارتفاع الإنفاق العام وانكماش إيرادات الدولة نتيجة الشيخوخة، بحاجة إلى إصلاحات هيكلية تتجاوز ملف الهجرة وحده .
المصدر: وكالات