عقدٌ على «سننجح».. صحف أوروبية تُراجع إرث سياسة الهجرة في ألمانيا

تاريخ النشر: 2025-08-31

بعد مرور عشرة أعوام على قرار المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل (Angela Merkel) في عام 2015 بفتح حدود البلاد أمام آلاف الفارّين من الحرب في سوريا، عاودت صحف أوروبية تقييم تلك اللحظة المفصلية وما ترتّب عليها داخل ألمانيا (Deutschland) وأوروبا. القرار الذي ارتبط بعبارة ميركل الشهيرة: «سننجح»، ما زال يُستحضر بوصفه اختبارًا لقدرة الدولة والمجتمع على الاستيعاب والاندماج.

في ألمانيا، ارتبطت الصورة الأبرز بتدفّق اللاجئين عبر محطات القطارات ومراكز الاستقبال الأولى التابعة للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (Bundesamt für Migration und Flüchtlinge) في برلين (Berlin)، حيث لاقت المستشارة السابقة استقبالًا لافتًا من متطوعين ومبادرات مدنية، قبل أن تبدأ لاحقًا نقاشات سياسية واجتماعية طويلة حول التكامل وسوق العمل والأمن الداخلي.

تُجمع التقييمات الأوروبية الحديثة على أن الحصيلة مختلطة بين نجاحات وتحدّيات. فمع أن قطاعات اقتصادية ألمانية استفادت من سدّ فجوات في اليد العاملة، ظلّت أسئلة الاندماج والتعليم والإسكان قائمة، إلى جانب الجدل الحزبي حول ضوابط اللجوء والحدود. وتؤكد التحليلات أن تجربة 2015 أعادت تشكيل المشهد الحزبي وأثّرت في النقاش العام حول الهوية والسياسات الاجتماعية.

صحيفة «لوتان» (Le Temps) السويسرية ذهبت إلى توصيف نقدي للواقع الأوروبي الأوسع، مُشدّدة على أن الخطاب العام اتّجه خلال السنوات اللاحقة إلى «نزع الإنسانية عن المهاجرين»، وهو توصيف يُحيل إلى تزايد لهجة الردع والقوانين المُقيّدة لحركة طالبي اللجوء عبر القارة. هذا المنحى، بحسب القراءة ذاتها، يعكس تراكُم أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة.

أما صحيفة «لوموند» (Le Monde) الفرنسية فربطت تقييمها بما سمّته «حصاد شعار ميركل»، مشيرة إلى أن ألمانيا تُراجع اليوم السياسات التنفيذية والمؤسساتية التي رافقت استقبال 2015، بما في ذلك برامج الاندماج ودورات اللغة ومسارات الاعتراف بالمؤهلات. وتُظهر القراءة أن النتائج متفاوتة بين الولايات الألمانية (Bundesländer) تبعًا لاختلاف الموارد المحلية والسياسات التعليمية.

في المقابل، ظلّ البُعد الأخلاقي حاضرًا في التغطيات؛ إذ استعاد كتّاب الرأي خلفية القرار المرتبطة بفرار السوريين من قمع نظام بشار الأسد (Baschar al-Assad)، مؤكدين أن لحظة 2015 عكست مقاربة إنسانية وقانونية متوافقة مع التزامات ألمانيا الأوروبية والدولية. لكنهم حذّروا في الوقت نفسه من اختزال النقاش بين ثنائية «فتح/إغلاق»، داعين إلى مقاربة طويلة الأمد تُوازن بين الحماية والاندماج وضبط الحدود.

داخل ألمانيا، استمر الجدل الحزبي؛ فبينما تُشيد تيارات وسطية بقدرة الهياكل الإدارية على التكيّف، تُركّز قوى معارضة على الكلفة والضغوط الواقعة على البلديات والمدارس وسوق الإسكان. وتذهب تحليلات إلى أن التحوّلات الديموغرافية وشيخوخة المجتمع تُضيف معطًى جديدًا لملف الهجرة، إذ يرى اقتصاديون أن استدامة بعض القطاعات تتطلّب إدارة هجرة منظّمة ومُؤطّرة بالقانون.

وعلى المستوى الأوروبي، تواصل بروكسل (Brüssel) الدفع باتجاه نظام لجوء وهجرة أكثر تنسيقًا بين الدول الأعضاء، بعد أن كشفت أزمة 2015 عن تباينات عميقة في تقاسم المسؤوليات. ويشير مراقبون إلى أن أي تقييم لسياسة ميركل ينبغي أن يُقاس أيضًا بمدى تقدّم الاتحاد الأوروبي (Europäische Union) في إصلاح آلياته الحدودية والإنسانية.

وبين النقد والإشادة، تبقى العبارة التي نطقتها ميركل في ذروة الأزمة — «سننجح» — حاضرَة في صلب النقاش العام؛ إذ يُجادل مؤيّدوها بأن نجاح الاندماج عملية تراكمية تتطلّب وقتًا واستثمارات ذكية في التعليم والتدريب، فيما يرى المنتقدون أن الدروس المستخلصة تستدعي ضوابط أشدّ صرامة وسياسات إدماج مُركّزة على النتائج.

بعد عقد على تلك اللحظة، تُظهر القراءة الصحفية الأوروبية أن إرث 2015 لم يُغلق فصله بعد: فهو ملف يتجدّد مع كل موجة نزوح أو توتّر جيوسياسي، ويستمر في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية لألمانيا وشركائها الأوروبيين، بين اعتبارات القانون والأخلاق والاقتصاد والأمن.

 

المصدر:وكالات

المزيد من الأخبار

اطلع على آخر الأخبار والمواضيع ذات الصلة.