رغم التحذيرات الأمنية التي تصدرها وزارة الخارجية الألمانية (Auswärtiges Amt) بشأن السفر إلى معظم مناطق العراق (Irak)، ما عدا إقليم كردستان (Kurdistan)، تسعى الحكومة العراقية إلى إعادة تقديم البلاد كوجهة سياحية عالمية، مستندة إلى إرثها الحضاري الغني وطبيعة شعبها الودودة والبراغماتية.
الصحفية الألمانية ساندرا ماستروبييترو (Sandra Mastropietro) من صحيفة فيلت (Welt) زارت العراق لتعاين المشهد بنفسها، ووصفت انطباعها الأول في بابل (Babylon) بالصمت المهيب، حيث لا توجد حشود ولا مجموعات سياحية، بل أطلال أثرية ضخمة تحرسها قوات عسكرية بدلاً من الزوار.
عند مدخل الموقع، تقف نسخة من بوابة عشتار الشهيرة بلونها الأزرق اللامع، بينما يحتفظ متحف بيرغامون في برلين (Berlin) بالأصل المعاد ترميمه. ورغم إدراج بابل ضمن قائمة التراث العالمي، إلا أنها تفتقر إلى أبسط مقومات السياحة، من بنى تحتية مهترئة ومرافق عامة محدودة، إلى أعمال ترميم تعود إلى عهد صدام حسين، حيث لا تزال الأحجار تحمل اسمه المحفور.
تسعى الحكومة العراقية إلى تحويل بابل إلى منارة سياحية وأيقونة لبلد جديد ينهض من بين ركام الحروب، لكن الواقع لا يزال يراوح بين الطموحات والمشكلات، من بيروقراطية مرهقة إلى هشاشة أمنية. ويظهر هذا التناقض في مشهد المتحف المغلق بسبب "عطل في الإضاءة"، والقُمامة المتناثرة بين الجدران.
في العاصمة بغداد (Bagdad)، تتداخل المشاريع المتوقفة مع صلاحيات متشابكة وبنية تحتية ضعيفة، لكن الحياة اليومية تنبض بعناد الأمل، حيث يجلس الناس على ضفاف دجلة في المقاهي، يضحكون ويقرؤون ويتجولون مساءً متحدّين الصورة النمطية لبلد أنهكته الحروب.
ورغم التحديات، يشهد العراق تزايداً في أعداد الزوار الأجانب، من نحو 120 ألف سائح عام 2022 إلى أكثر من 400 ألف في مطلع 2024، فيما تستهدف الحكومة الوصول إلى مليون سائح سنوياً خلال الأعوام المقبلة، عبر شراكات وتمويلات دولية قيد التحضير.
ويبرز هذا الانفتاح بشكل خاص في السياحة الدينية، لا سيما في كربلاء (Karbala)، التي تستقبل ملايين الزوار سنوياً خلال مواسم الزيارة، بينما تبقى المسافة بين هذا النوع من السياحة والانفتاح الثقافي الأوسع كبيرة.
أما في شمال البلاد، في مدن مثل أربيل (Erbil)، زاخو (Zakho)، ولالش (Lalish)، فقد بدأ السياح الغربيون بالعودة تدريجياً، حيث تبدو الأوضاع أكثر استقراراً وانفتاحاً، ويمكن للزائر أن يتذوق طابع الأسواق الشرقية القديمة وسط إحساس بالأمان النسبي.
وفي الجنوب، تبقى بابل عنواناً للجدل بين الماضي والمستقبل، حيث يقف قصر صدام المهجور مطلاً على المدينة الأثرية، مغلق رسمياً لكنه يُفتح أحياناً "بالمعرفة والعلاقات" أو مقابل مبلغ مالي بسيط، في مشهد يختلط فيه التاريخ بالسياسة.
رغم كل ذلك، يبدو العراق مصمماً على منح هذه الأرض حياة جديدة، بين ركام الحروب وتحديات الحاضر، في محاولة لكتابة فصل جديد عنوانه: الأمل والسياحة بدل الدمار والنسيان.
المصدر:وكالات